السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
32
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل
فهو ليس ممّا يطمئنّ به في النّتيجة وان كان الثّانى فلا يمكن حصوله للنّاظر لأنّ حصوله امّا بطريق الظّنّ فامّا بطريق العلم والأوّل غير مفيد كما مرّ مع انّه خلاف المقصود والثاني امّا ان يكون ضروريّا أو نظريّا وكلاهما باطل امّا الأوّل فلأنّه لو كان ضروريّا لما وقع فيه الاختلاف باختلاف الأنظار ولما ظهر خلافه مع انّ كثيرا من النّاس لا يحصل عقيب نظرهم الّا الجهل وربّما يظهر خطاؤهم بعد نظرهم وليس الامر فيه كسائر الضّروريّات وامّا الثّانى فلأنّه لو كان نظريّا لكان اثباته بالنظر وفيه دور من جهة توقّفه على الدّليل وعلى استلزامه المدلول وتناقض من جهة كونه معلوما لكونه وسيلة وغير معلوم لكونه مطلوبا وجوابه انّا نختار انّه ضرورىّ ولا نسلّم امتناع الاختلاف والخلاف في الضّروريّات فانّه قد يختلف فيها جمع من العقلاء الخفاء في تصوّرات الأطراف وعسر في تجريدها عن اللّواحق المانعة عن ظهور الحكم ثمّ نختار انّه نظرىّ وندفع الدّور والتّناقض بالقول بالانتهاء إلى الضّرورة واعتبار الحيثيّة كما قرّر في محلّه ثانيها انّ النّظر في المطالب النّظريّة لو أفاد العلم واليقين فلا بدّ ان يكون مع العلم بعدم المعارض إذ لا جزم مع المعارض ثمّ انّه ليس بضرورىّ إذ كثيرا ما يظهر المعارض بل نظرىّ فيفتقر إلى نظر آخر موقوف على عدم المعارض ويتسلسل وجوابه يظهر ممّا مرّ وثالثها انّ النّظر في المطالب مشروط بعدم العلم بها لئلّا يلزم استعلام المعلوم فلو كان مفيدا للعلم ومستلزما له عقلا أو عادة لما كان مشروطا بعدمه ضرورة امتناع كون الملزوم مشروطا بعدم اللّازم وجوابه انّ معنى الاستلزام هاهنا الاستعقاب عقلا أو عادة بمعنى انّه يلزم حصول العلم بالمطلوب عند تمام النّظر والاستدلال فالملزوم للعلم انتهاؤه والمشروط بعدمه ابتداؤه رابعها ان أقرب الأشياء إلى الإنسان اتّصالا ومناسبة هويّته الّتى يشير إليها بقوله انا وقد كثر فيها الخلاف ولم يحصل من النّظر الجزم بانّها هذا الهيكل المحسوس أو غيره فكيف فيما هو ابعد منه من المطالب النّظريّة وجوابه انّ ذلك يدلّ على صعوبة تحصيل العلم بالنّظر لا امتناعه خامسها ان النّظريات لا يمكن الاعتماد عليها الّا مع انتهائها إلى الضّروريّات وأقواها البديهيّات وهي ممّا لا يمكن العلم بها لانّها فرع الحسّيّات لتنبّه الإنسان بها بعد الاحساس بالجزئيّات والتنبّه لما بينها من المشاركات والمباينات ولا شكّ انّ حكم الحسّ ممّا يقع فيه الغلط كثيرا فلا يطمئن به ومع عدم الاطمينان بالأصل لا يمكن الاطمينان بالفرع مع انّ اجلى البديهيّات قولنا النّفى والأثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان لتوقّف كل البديهيّات عليه واستنادها اليه كما قرّر في محلّه وهو غير موثوق به لان العلم بحقيقته يتوقّف على تصوّر الوجود والعدم اعني الكون واللّاكون وعلى تحقّق كون الشيء موضوعا وكونه محمولا وعلى رفع الشّبهات الواردة على الأمرين وهذه الأمور الثّلاثة انّما يتبيّن بانظار دقيقة والمفروض استناد جميع النّظريّات والبديهيّات إلى تلك القضيّة فيلزم الدّور مضافا إلى لزوم كون الشيء نظريّا على تقدير كونه ضروريّا وهو محال سادسها ما ذكره امام أهل التّشكيك وصاحب الرّأى الرّكيك فخر الدّين الرّازى الّذى افتخر صاحب الدّرر النّجفيّة بموافقته له في هذا المسلك الّذى اختاره تبعا لأصحابه وملخّصه على ما نقله عنه في الدّرر النّجفيّة انّ هذه الأشياء المسمّاة بالبراهين لو كانت في أنفسها براهين لكان كلّ من سمعها ووقف عليها وجب ان يقبلها وان لا ينكرها أصلا وحيث نرى انّ الّذى يسمّيه أحد الخصمين برهانا فانّ الخصم الثّانى يسمعه ويعرفه ولا يفيده ظنّا ضعيفا علمنا انّ الأشياء ليست في أنفسها براهين بل هي مقدمات ضعيفة انضافت المحبّة والعصبيّة إليها فتخيّل بعضهم كونه برهانا مع انّ الأمر في نفسه ليس كذلك وأيضا فالمشبّهة يجيء للقول بالتّشبيه بحجّة ويزعم أن تلك الحجة افادته اليقين فامّا ان يقال انّ كلّ واحدة من الحجّتين المتقابلتين صحيحة يقينيّة فح يلزم صدق النّقيضين وهو باطل وامّا ان يقال إحداهما صحيحة والأخرى فاسدة الّا انّه متى كانت مقدّمة واحدة من مقدّمات تلك الحجّة باطلة في نفسها مع انّ الّذى تمسّك بتلك الحجّة جزم بصحّة تلك المقدّمة ابتداء فهذا يدلّ على انّ العقل يجزم بصحّة الفاسد جزما ابتداء فإذا كان كذلك كان العقل غير مقبول القول في البديهيّات فح تفسد جميع الدّلائل فان قالوا انّ العقل انّما جزم بصحّة ذلك الفاسد لشبهة متقدمة فنقول قد حصل في تلك الشّبهة المتقدّمة مقدّمة فاسدة فإن كان ذلك لشبهة أخرى لزم التّسلسل وان كان ابتداء فقد توجّه الطّعن وأيضا فانّا نرى الدّلائل القويّة في بعض المسائل العقليّة متعارضة مثل مسئلة الجوهر الفرد فانا نقول انّ كلّ متخيّر فانّ يمينه غير يساره وكلّ ما كان كذلك فهو منقسم ينتج ان كلّ متخيّر منقسم ثمّ نقول انّ وجود الحركة في المسافة معلوم والموجود منها هو الحاضر لا غير وهو غير منقسم والّا لم يكن تمامه حاضرا بل بعضه وإذا كان غير منقسم كان عدمه في آن أخر متّصل بآن وجوده فيلزم تعالى الآنات ويلزم منه كون الجسم مركّبا من اجزاء لا تتجزى فهذان الدّليلان متعارضان ولا نعلم جوابا شافيا عن أحدهما ونعلم انّ أحد الكلامين مشتمل على مقدّمة باطلة وقد جزم العقل بصحّتها ابتداء فصار العقل مطعونا فيه انتهى ملخّصا وجوابه كجواب سابقه واضح عند المتامّل الخبير بل عند من له أدنى سليقة وتامّل فيما ذكرناه فلا نطيل ببيانه قوله فان أرادوا عدم جواز الرّكون اه أقول توضيح المقام بأدنى بسط في الكلام ان كلام الاخباريّين في عدم الاعتبار بالاحكام العقليّة يحتمل وجوها الأوّل ما هو ظاهر كلامهم من عدم الاعتماد على مثل هذه الأحكام وملخّص الجواب عنه وجوه ثلاثة أحدها انّ الردع عن العمل بالقطع بعد حصوله قبيح جدّا كيف والقاطع حين كونه قاطعا كالغافل عمّا عدا مقطوعة بل هو اشدّ غفلة فتكليفه به تكليف بالمحال كما سنحقّقه مضافا إلى ما مرّ سابقا من التّناقض فان قلت إذا كان ردع القاطع قبيحا فلم جوّزوا ردع القطّاع عن العمل بقطعه قلت الكلام هناك انّما هو فيما إذا حصل القطع للعامىّ القطّاع الغير المتفطّن لقطعه وهنا فيما إذا حصل القطع للمجتهد العالم المتفطّن لقطعه والفرق ظاهر